ابن كثير
347
البداية والنهاية
إليه كتابا مختوما ( 1 ) وقال : هذا جاءني من عبد الملك ، ففتحه فإذا هو يدعوه إلى الاتيان إليه وله نيابة العراق ، وقال لمصعب : أيها الأمير ! إنه لم يبق أحد من أمرائك إلا وقد جاءه كتاب مثل هذا ، فإن أطعتني ضربت أعناقهم . فقال له مصعب : إني لو فعلت ذلك لم ينصحنا عشائرهم بعدهم ، فقال : فابعثهم إلى أبيض كسرى فاسجنهم فيه ، فإن كانت لك النصرة ضربت أعناقهم ، وإن كانت عليك خرجوا بعد ذلك . فقال له : يا أبا النعمان ، إني لفي شغل عن هذا ، ثم قال مصعب : رحم الله أبا بحر - يعني الأحنف - أن كان ليحذرني غدر أهل العراق ، وكأنه كان ينظر إلى ما نحن فيه الآن . ثم تواجه الجيشان بدير الجاثليق من مسكن ، فحمل إبراهيم بن الأشتر - وهو أمير المقدمة العراقية لجيش مصعب - على محمد بن مروان - وهو أمير مقدمة الشام - فأزالهم عن موضعهم ، فأردفه عبد الملك بعبد الله بن يزيد بن معاوية ، فحملوا على ابن الأشتر ومن معه فطحنوهم ، وقتل ابن الأشتر رحمه الله وعفا عنه ، وقتل معه جماعة من الامراء ، وكان عتاب بن ورقاء على خيل مصعب فهرب أيضا ولجأ إلى عبد الملك بن مروان ، وجعل مصعب بن الزبير وهو واقف في القلب ينهض أصحاب الرايات ويحث الشجعان والابطال أن يتقدموا إلى أمام القوم ، فلا يتحرك أحد ( 2 ) ، فجعل يقول : يا إبراهيم ولا إبراهيم لي اليوم ، وتفاقم الامر واشتد القتال ، وتخاذلت الرجال ، وضاق الحال ، وكثر النزال . قال المدائني : أرسل عبد الملك أخاه إلى مصعب يعطيه الأمان فأبى وقال : إن مثلي لا ينصرف عن هذا الموضع إلا غالبا أو مغلوبا . قالوا : فنادى محمد بن مروان عيسى بن مصعب فقال : يا بن أخي لا تقتل نفسك ، لك الأمان ، فقال له مصعب : قد أمنك عمك فامض إليه ، فقال : لا يتحدث نساء قريش أني أسلمتك للقتل ، فقال له : يا بني فاركب خيل السبق فالحق بعمك فأخبره بما صنع أهل العراق فإني مقتول ههنا ، فقال : والله إني لا أخبر عنك أحدا أبدا ، ولا أخبر نساء قريش بمصرعك ، ولا أقتل إلا معك ولكن إن شئت ركبت خيلك وسرنا إلى البصرة فإنهم على الجماعة ، فقال : والله لا يتحدث قريش بأني فررت من القتال ، فقال لابنه : تقدم بين يدي حتى أحتسبك ، فتقدم ابنه فقاتل حتى قتل ، وأثخن مصعب بالرمي فنظر إليه زائدة بن قدامة وهو كذلك فحمل عليه فطعنه وهو يقول : يا ثارات المختار ، ونزل إليه رجل يقال له عبيد الله بن زياد بن ظبيان التميمي فقتله وحز رأسه وأتى به عبد الملك بن مروان ، فسجد عبد الملك وأطلق له ألف دينار فأبى أن يقبلها وقال : لم أقتله على
--> ( 1 ) انظر نسخة الكتاب في الاخبار الطوال ص 312 ، وقد أشار إليه الطبري وابن الأثير وابن قتيبة وابن الأعثم في الفتوح والمسعودي في مروج الذهب . ( 2 ) طلب مصعب من أبي عثمان قطن بن عبد الله الحارثي التقدم برايته فرفض ، فطلب مصعب من حجاز بن أبجر - أبو أسيد - التقدم برايته فرفض أيضا . فقال لمحمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس مثل ذلك . فقال له : ما أرى أحدا فعل ذلك فأفعله . انظر الطبري 7 / 185 وابن الأثير 4 / 326 وابن الأعثم 6 / 266 .